ورّث العلم أبناءك لينتفع به أحفادك بعد قرون من الزمن وإن انتفع غيرهم معهم فخير على خير.
ما ورّثته لهم باسمك ليس كما نقلته لهم عن غيرك، وهذه ثمرة عظيمة من ثمرات العلم العظمى أن يبقى علمك بعدك أقصى مدة من الزمن.
ولكل هذه الأمور أسباب وجهود عليك العمل بها؛ لتصل إلى هذه الغاية العظمى وهي بقاء علمك بعد موتك مدة زمنية طويلة.
فاطلب العلم أولاً لتتمكّن من التعليم ثم التوثيق ثم التوريث لهذا العلم النافع الصحيح الذي أخذته من المنبع النقي والمعين الصافي.
انشغل بطلب العلم الشرعي مدة من الزمن عن الانشغال بغيره، ومن ثمّ علّم الناس العلم الذي تعلّمته ثم وثّقه ثم ورّثه أبناءك وأحفادك ومن بعدهم، وورّثه طلبة العلم خاصة والمسلمين عامة.
وانوِ تعليم من يمكنه تعلّم هذا العلم عنك ليُكتب لك حسنة واحدة عن كل من لم يتعلمه عنك من هؤلاء الخلق الذين لا يعلم عددهم إلا الله، وعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة عن كل من تعلّمه عنك، غير الأجور الأخرى التي أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل تعلّم العلم وتعليمه.
فأغلب الدعوات الصادقة المباركة المنتشرة اليوم قامت وانتشرت بفضل الله ثم جهود أبناء أصحابها ومن تناسل عنهم، أو جهود طلبتهم، أو جهود ناشري الخير من المسلمين، فالأمر يدور بين الذرية والطلبة وناشري الخير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قصّر الطلبة في نشر علمك فالأبناء لن يكونوا كذلك بإذن الله، وإن قصّر الأبناء أو لم يُرزق معلّم الناس الخير بأبناء فلن يُقصّر الطلبة بإذن الله، وإن قصّر الجميع فلن يقصّر ناشرو الخير بإذن الله، هذا هو سبيل انتشار العلم قديمًا وحديثًا.
ولو فرضنا بأن الجميع قصّر في نشر علمك، فأنت تتعامل مع ربٍّ كريمٍ شكورٍ لا يضيع أجر المحسنين، بيده تقدير الكون والأسباب التي تحدث فيه، وهو قادر على تقدير الأسباب التي ينتشر بها علمك بعد موتك ولو بقرون طويلة، لا يُعجزه شيء سبحانه وتعالى.
فإن أعْرَض كثير من الناس عن نشر علمك وهكذا يكون الواقع غالبًا في حياتك إلا إذا كنت مشهورًا أو تنازلت عن بعض الحق الذي علمته ووافقت أهواءهم، فلن يُعرض عن نشره أبناؤك بإذن الله ولا ذرّيّتك ولا الصادقون من المسلمين في حياتك وبعد مماتك، الذين لا يحملون في قلوبهم تجاهك غير الصدق والمحبة في الله والتعاون على نصرة الحق ودحر الباطل.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّهُ الأَمثالَ﴾.

